school and education

كلمة مدير الجامعة

الطالب المسؤول

لكي نبني جامعة المستقبل لا بد من المشاركة الفعالة والقوية والذكية للطلاب. فمن غير المعقول أن نتصور بناء جامعة جديدة تتجاهل العنصر الطلابي. إنه المبرر الأول لوجودها. ولا يمكن أن ننجح في تطبيق أية خطة لتطوير الجامعة نقتصر في آليات تطبيقها على إسهامات الأعوان الإداريين والمؤطرين الأكاديميين. فربما يصدق هذا على المؤسسات المتخصصة في البحث العلمي. أما أقسام التعليم الجامعي فهي بالدرجة الأولى أقسام الطلبة. ومن بين طلبة اليوم سيخرج الإطار الأكاديمي لجامعة الغد. وستخرج الإطارات المهني في مختلف المجالات.

إن أول تغيير في هذا الشأن يبدأ بتغيير علاقة الطالب بالجامعة. وهذه الحركة يجب أن تتم على مستوى طريقة تصور الطالب للمؤسسة الجامعية. فهو وحده من يحدد غايته منها وحاجته إليها. وهو من يحدد ما يطلب منها من معارف ومهارات وتخصصات ودرجات علمية. ومن خلالها يرسم خطة حياته ومحطات مستقبله وما يطمح إليه من نجاح وتقدم.

تمنح الجامعة للطالب أجمل سنوات عمره، أو على الأقل يتقاسمها معها. فمن الذكاء أن يعمل الطالب على جعلها بالفعل أجمل سنوات العمر. فهي سنوات للتحصيل العلمي العالي والمتخصص. سنوات لرسم معالم المستقبل. وسنوات للتفكير والمناقشة واكتساب مهارات مواجهة مشاكل الحياة وإدارتها بنجاح. سنوات لإدراك أهمية دوره في بناء مقدراتهوفي تطويرها.

نعم، من الجامعة تتخرج الإطارات التي تتحمل مسؤولية إدارة وتسيير مختلف مؤسسات البلاد. في جميع المجالات الاقتصادية والمصالح الإدارية، والمجالات العلمية والثقافية، وفي تنشيط الحياة السياسية وترقيتها. وطلبة اليوم هم الذين بعد سنوات قليلة سوف يتولون مهامهم في مختلف الوظائف، وسيتحملون مسؤولية تسيير النشاط المهني في القطاع الخاص كما في القطاع العمومي. إن الأمر في منتهى الجدية، وسواء أكانت مهارات الخريجين جيدة أو أقل جودة، فهم في آخر المطاف من سيتولى تلك المهام جميعا. ومعهم سوف نحلم بوطن أجمل أو أقل جمالا.

لذلك كله ننتظر من الطلبة أن يكونوا في مستوى ما سوف يواجههم من تحديات، وأن يدركوا أهمية ما ينتظر منهم من إسهامات في تغيير علاقتهم بالمؤسسة الجامعية، من الوضع الراهن إلى وضع أفضل. ننتظر منهم أن يمنحوا من وقتهم المزيد من أجل تحصيل معرفي أفضل. وأن يبذلوا جهودا أكثر لتنمية معارفهم في مجالات تخصصاتهم وكذلك في مجال التكنولوجيات الجديدة. إن شباب اليوم متفوق في تعلم استخدام التطبيقات الرقمية الجديدة المستعملة على الهواتف النقالة، ولكن يقتصر استعماله لها على التواصل الاجتماعي فقط. والمطلوب منه وبصورة مستعجلة أن يطور من مهاراته في استعمال تلك الوسائط والتطبيقات لتحسين أدائه الجامعي، في إثراء معارفه وفي إعداد أعماله التطبيقية وفي تقديمها، وفي تواصله مع جامعات العالم والاستفادة مما تتيحه على مواقعها. فلم يعد مقبولا أن يبقى طالب جامعة هذا القرن في حاجة إلى تعلم مهارات استعمال برامج الحاسوب البسيطة مثل برامج الرقن والجدولة والعرض وتخزين البيانات ومعالجتها. خاصة وأن هذه البرامج، أولا، قد أصبحت مبسطة إلى حد يمكن لأي شخص وفي أية مرحلة عمرية أن يتعلم استعمالها بصورة ذاتية ودون الحاجة إلى تدريبات بيداغوجية. وثانيا، أصبحت من متطلبات التوظيف في أي مستوى ودرجة. ولا يمكن الاستغناء عنها في ممارسة النشاط المهني في أي مجال.

نعم، تحتاج الجامعة الجيدة إلى إطار أكاديمي جيد، بل ممتاز. لكن هذا لن يعني شيئا أمام روح الاستقالة التي تسيطر على نسبة كبيرة من الطلبة. وأمام طالب لا ينتبه كثيرا إلى المسؤولية الملقاة على عاتقه.

نعم، تحتاج الجامعة الجيدة إلى خدمات في مستوى التطلعات، تساعد الطالب على تحسين مردوده، لكن هذا لا ينتظر ذاك. فكما يتم الآن بذل جهود معتبرة لتحسين البنيات التحتية لمؤسستنا الجامعية، والعمل على تحسين مختلف الخدمات الأخرى، وهو ما يراه الطالب من حوله، على رغم من كل التقصير الذي يمكن أن نلاحظه ونعترف به، يبقى دور الطالب أساسيا في إنجاح مهمة بناء جامعة الغد، جامعة المستقبل، الجامعة التي تليق بواحدة من أقدم المؤسسات الجامعية العصرية في العالم العربي التي تأسست وفق المواصفات العالمية.

إن عدد الطلبة المتزايد كل سنة لا يزعجنا، بل هو مبعث فخر واعتزاز، إذ يعبر بصدق عن مدى تقدير الأسرة الجزائرية للتعليم العالي، ومدى حرص الشاب الجزائري على التفوق في العلم والمعرفة وفي اكتساب المهارات العالية. ويعبر عن مدى الأمان الذي تشعر به الطالبات المتخرجات، ويشعر به الطلبة المتخرجون، وهم يحملون شهاداتهم الجامعية. ولذلك يجب أن نطور من أداء جامعاتنا وطاقتها الاستيعابية لتكون قادرة على استقبال المزيد من الطلبة في السنوات القادمة. فنحن نؤمن بأن ديمقراطية التعليم في بلادنا مكسب نعتز به. وأقل جميل نرده للآباء والأجداد الذين ناضلوا وضحوا من أجله ومن أجلنا، هو أن نكون في مستوى الشهادات الجامعية التي نحملها والتي نحلم بها.

إن سوق العمل في تطور مستمر، وهو يزداد تدقيقا في متطلبات التشغيل، وفي دقة التخصصات وفي المهارات التي ينتظرها من الخريجين. ولم تعد الشهادات الجامعية وحدها كفيلة بضمان منصب الشغل. فكلما كانت مهارات الخريج أحسن، وكان تحكمه في تخصصه أفضل، كلما كانت فرصه في النجاح المهني أوفر وأقرب. وكلما كان تحكمه في اللغات وفي التقنيات الرقمية جيدا، كلما كانت فرصه في النجاح أكبر.

نتمنى لهذه السنة الجامعية أن تكون سنة نجاح بامتياز، وسنة تحول حقيقي نحو الأفضل، وسنة الطلبة وهم يتحملون مسؤوليتهم أكثر في الانشغال بمقرراتهم وأبحاثهم التطبيقية والرفع من مستوى التحصيل والاستعداد للتحدي في سوق التشغيل المحلية والوطنية، ولما لا الدولية أيضا. فبلادنا تفتح الأبواب للاستثمار الأجنبي، وهو استثمار يبحث عن الكفاءة وتعدد المهارات وجودتها.

الأستاذ الدكتور مانع عمار

مدير جامعة الجزائر 2